محمد بن أحمد النهرواني
258
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
ففتح رأسه ، وقال : هذا شرع اللّه فسقط الدلال مغشيا عليه ، ومضى الجندي بالمتاع ، وما قدر أحدا من المسلمين على منعه . قال الرجل : فصعب علىّ مشاهدة هذا الحال فرفعت بيدي إلى اللّه تعالى ودعوت على الجندي المذكور وعلى سلطانه وعلى الظلمة من أعوانه فصادفت ساعة الإجابة ، وبت تلك الليلة على طهارة ، وأنا أفكر في أمرهم ، وحدثت نفسي بذلك وأقول : كيف يزول ملك هذا السلطان العظيم ؟ وقد ملأت جنوده الأرض وأتى للمسلمين بسلطان آخر يترفق بالرعايا وتطمئن في دولته البرايا ؟ وأخذ في النوم فنمت فرأيت فيما يرى النائم : ملائكة نزلت من السماء وبأيديهم مكانس وهم يكنسون الجراكسة من أرض مصر ، ويلقونهم في بحر النيل ، واستيقظت من النوم فإذا بقارئ بقراء القرآن فأنصت إليه ، فإذا هو يقرأ قوله تعالى : فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ « 1 » . فعلمت أن اللّه يأخذهم أخذا وبيلا ، فمضى قليل إلا وبرز الغورى بجنوده وأمواله ، وخزائنه من مصر لقتال المرحوم المغفور له السلطان سليم خان إلى حلب ، فجاء الخبر بعد قليل بأنه كسر وقتل جنوده ، وفقد تحت سنابك الخيل في « مرج دابق » ، وهرب بقية السيوف من الجراكسة إلى مصر ، وصيروا الدوادان طومان باي سلطانا ، والسلطان سليم في أثرهم يفتح البلاد ويضبطها إلى أن وصل إلى « الريدانية » خارج مصر فخرج طومان باي ومن معه إلى قتاله ، فما حمل هو ومن معه ساعة إلا وانكسر ، وأدخل السلطان سليم خان إلى مصر ، وضرب أوطاقه في الجزيرة الخضراء على ساحل النيل ، وهرب طومان باي إلى البر الشرقية ، ومسكه شيخ العرب وجاء به أوطاف السلطان سليم فأمر يصلبه في باب « زويلة » ليروه الناس ويصدقون بقتله ، لأن الناس لا يصدقون بأنه مسك ، وصاروا يزعمون بأنه اختفى ليحصل له فرصة فيخرج .
--> ( 1 ) الآية رقم 136 من سورة الأعراف ، مكية .